الأحد، 6 ديسمبر 2015

سورة التوحيد ((الصلاة))


سورة التوحيد
((الصلاة))
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ* اللَّهُ الصَّمَدُ *لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ *وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ ﴾
بعد إتمام هذه المناجاة المربّية الفائضة بالمضامين، على المصلّي أن يقرأ سورة كاملة من القرآن.

هذه التلاوة جزء من القرآن يختارها المصلّي بحريّته وإرادته، يفتح بوجهه فصلاً آخر من المعارف الإلهيّة الإسلاميّة.

فريضة تلاوة القرآن في الصلاة كما قال الإمام عليّ بن موسى الرضا عليه السلام في حديث الفضل بن شاذان: "إنّما أمر الناس بالقراءة في الصلاة لئلّا يكون القرآن مهجوراً مضيّعاً وليكون محفوظاً مدروساً، فلا يضمحلّ ولا يُهْجَر ولا يُجْهَل"1.

نكتفي هنا بالإشارة إلى سورة التوحيد التي تتلى عادة في الصلوات.

﴿بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ *قُلْ﴾
أيها الرسول، قل واعلم وبلّغ الآخرين بهذه الحقيقة، أنّ:

﴿هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾
فليس له شريكٌ ولا مثيلٌ ولا نِدٌّ من الآلهة التي تعرّفها (تقدّمها)عقائد الأديان المنحرفة.

ليست ساحة الخليقة مسرحاً لتنازع الآلهة وصراعهم، بل إنّ جميع سنن العالم وقوانينه صادرة عن إرادة واحدة وقدرة واحدة. ولهذا السبب، يسودُ عالمَ الخليقةِ النظامُ والانسجامُ والتناسق، فجميع القوانين والتحوّلات والتحرّكات الطبيعيّة في العالم تتحرّك باتجاه واحد في الحركة والعمل. الإنسان وحده الذي متّعه الله بالإرادة والاختيار والقدرة على اتخاذ القرار، ويمكنه أن يتمرّد على هذا النظام ويعزف لحناً شاذاً كما يمكنه أيضا أن يصنع لنفسه حياةً تنسجم مع هذه القوانين.

﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾
الله غير محتاج (إلى أيّ شخص وأيّ شيء) من جميع الجهات. فالله سبحانه الذي أتواضع أمامه وأعظّمه وأحمده ليس كباقي الأرباب المفترضة، المحتاجة إلى الرعاية والمساعدة في وجودها واستمرارها في الحياة، وفي قدرتها وحياتها. فمثل هكذا إلهٍ (محتاج) لا يستحقّ التكريم ولا التعظيم، لأنّه موجود كالإنسان أو أدنى منه. فالإنسان، ذلك الموجود العظيم، لا يجعل تعظيمه وثناءه وعبوديّته إلّا لتلك القدرة التي لا تكون محتاجة أدنى احتياج إلى أي وجود وأيّ عنصر. أي أن وجودها وقدرتها وخلودها نابعة من ذاتها.

﴿لَمْ يَلِدْ﴾
ليس هو ما تطرحه أوهامُ الأديان المنحرفة وعقائدُ الشّرك وأساطيرهم. ليس إله المشركين المتوهّم حيث تصوّروا له ولداً أو أولاداً، إنه خالق وموجد كلّ شيء وكلّ شخص، لا أنّه أبوهم، وجميع سكان السموات والأرض هم عباده لا أولاده.

إنّ نسبة "الربوبيّة والعبوديّة" بين الله والإنسان هي التي تمنع عباد الله الواقعيّين من عبادة أي شيء أو أي أحد غير الله، فليس بالإمكان عبادة ربّين.

أولئك الذين تصوّروا الله أباً عطوفاً للمخلوقات، وظنّوا أنّ البشر أبناؤه، ولم يدركوا معنى نسبة "الربوبيّة والعبوديّة" التي تليق بالإنسان ومقامه وكرامته، قد فتحوا- في الحقيقة - طريقاً لعبادة غير الله، وأصبحوا عمليّاً عبيداً للكثير من أرباب الدنيا عديمي المروّة، وصاروا آلة بيد النخّاسين والمسترقّين.

﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾
فهو ليس بظاهرة (حادثة)، حتّى يوماً لا يكون ويوماً آخر يأتي إلى ساحة الوجود. وهو ليس وليد أحدٍ أو فكرةٍ أو ظنٍّ وتخيّل. وليس وليد نظامٍ أو طبقةٍ أو شكلٍ من أشكال حياة البشر. إنّه أعزّ الحقائق وأرفعها شأناً، إنّه حقيقة أزليّة، كان دائماً وسيبقى أبداً.

﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾
ليس بالإمكان تشبيهه بأحد ولا يمكن لأحدٍ أن يماثله أو يشاكله، ومن غير الممكن تقسيم مناطق نفوذه ومناطق حكمه، وهي عالم الكون بتمامه، بينه وبين شخص آخر، ولا يمكن أن يكون جزءٌ من حياة الإنسان له والجزء الآخر لغيره، من الأرباب الأحياء وغير الأحياء، ومن مدّعي القدرة والألوهيّة.

هذه السورة، كما يظهر من تسميته، هي بحقّ سورة التوحيد. إنّ رؤية التوحيد المحكيّة في كلّ القرآن وفي مئات الآيات، بسياقات وعبارات مختلفة، جاءت في هذه السورة بنحو صياغة مكثّفة وبعبارات ناظرة إلى المعتقدات الخرافيّة الملوّثة بالشرك التي شاعت في ذلك الزمان، وقد بُيّنت بشكل حاسمٍ وصريحٍ، نافيةً ومبطلةً لأي مُدّعٍ للألوهيّة يمكن أن يُطرح.

تعرّف هذه السورة المسلمينَ وجميعَ العالمين، من جهة، بالإله الذي يستحقّ العبادة والتمجيد بنظر الإسلام: إنّ الإله الذي لا يكون هو الأوحد، بل له مئات وآلاف المشاكلين، ليس جديراً بالربوبيّة والألوهيّة. وإنّ المقتدر أو القدرة المحتاجة في وجودها واستمرارها إلى مساعدة موجودٍ آخر، لا يمكن ولا ينبغي أن تُفرض على البشر. إنّ الذي يعظّم الأرباب المزيفة المحتاجة والمحدثة والمعرّضة للزوال وينحني أمامه، إنّما يدوس كرامته الإنسانيّة،

ويجرّ نفسه والإنسانيّة القهقرى. هذه هي الجنبة المثبِتة في سورة التوحيد التي تستعرض مميّزات المعبود وربّ الإنسان، وتُثْبِت زيف الأرباب على طول التاريخ.

ومن جهة أخرى، تحذّر عباد الله من تلويث أنفسهم بالأبحاث العقليّة المثيرة للشبهات والوساوس بشأن ذات الله وصفاته، وأن يذكروا الله ويدعوه بكلام بسيط (ومختصر)، يُخرج أصحاب التُّرَّهات والهاذرين ويطردهم من مقام قدس الربوبيّة. فبدل أن يستغرق
الإنسان في التفلسف والذهنيّات، عليه أن يفكّر في الالتزامات النابعة من عقيدة التوحيد.

وكما جاء في حديث الإمام عليّ بن الحسين عليه السلام: "إنّ الله عزّ وجلّ، علم أنّه يكون في آخر الزمان أقوام متعمّقون، فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ والآيات من سورة الحديد إلى قوله﴿عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾، فمن رام وراء ذلك فقد هلك"2 كأنّ سورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تقول للمصلّي: إنّ الله قدرة فريدة، رفيعة سامية ومتعالية، وهو مستغنٍ ذاتاً وغير محتاج ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ وليس له مشابه ولا مشاكل.. ليس سوى هذا وكفى، والعلم والرؤية (أنّه بصير)، والحكمة وباقي صفات الله تعالى التي يلزم على المسلم أن يدركها ويفهمها، والتي تكون مؤثّرة في شكل ونمط حياته وارتقاء روحه، ذكرت أيضاً في آيات أخرى من القرآن، فلا تتعمّق أكثر من هذا في ذات الله وكيفيّة صفاته، وستحصل على معرفة أكثر خلال العمل. لا تكن في صدد الحصول على معرفة أكثر من خلال البحث والتنقيب الذهنيّ العميق، بل حاول تحصيل المعرفة عن طريق التحلّي بالصفاء وروحانيّة الباطن والروح، ومن خلال العمل بلوازم التوحيد.. وهكذا كان الأنبياء والصدّيقون، عباد الله المخلصين، والموحّدين والصادقين والعارفين.
* كتاب من أعماق الصلاة، جمعية المعراج لإقامة الصلاة.

1- الوسائل، ج 4، ص 733.
2- نور الثقلين: ج5، نقلاً عن أصول الكافي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق